عين القضاة

مقدمة 24

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

والمستقبل متساوي النسبة اليه . وللموجودات إذا نظر إليها بنظر العقل ترتيب فإن لبعضها تقدما على البعض كتقدم المفرد على المركب ؛ ولكنها إذا أضيفت اليه ونسبت على الوجه الحق تساوت نسبتها اليه ، فهو واسع « وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً » أي لولا علمه بوجوده لما وجد ؛ والذي وجد والذي لم يوجد داخلان على التساوي تحت علمه المحيط الذي تعجز أفهام الخلق دون إدراكه ، وتتلاشى عقولهم دون ملاحظة حقيقته ، وتنمحق قواهم دون الوصول إلى أثر من آثاره إذ لا يشبه علمه أصلا علم الخلق كما لم يشبه ذات الشمس شعاعا أصلا في المثال المحسوس الذي يقتصر نظر العوام عليه ؛ وكيف لا وعلمه الأزلي كان موجودا قبل الزمان وقبل جميع الموجودات كما هو الآن موجود ! وليس لعقولنا الصعيفة أن تدرك علمه بالجزئيات على ما يجب ، ولكنها تدرك عجزها عن إدراك ذلك كما يدرك الوهم عجزه عن ادراك حقيقة موجود لا يكون داخل العالم ولا خارجه ، ولا متصلا به ولا منفصلا عنه . ولا يمكن أن يعبر عن حقيقة العلم الأزلي من طريق العلم إلا بهذه العبارة الموضوعة لمعنى غير المعنى الذي أريد بها هاهنا ؛ ولذلك تتشوش العقول والأفهام دون ادراك ذلك . فمن قصر عقله وفهمه وعلمه عن ادراكه فليحل بالعجز على قوته وقدرته ، وليكرر نظره في تفهمه فعساه ينفتح له باب منه ، وليستعن باللّه - عز وجل - على التوفيق لما يطهّر القلب من الحجب المانعة له عن الادراك الحقيقي ولا يبادرنّ إلى التكذيب دون التوقف فيه . فهذا معتقد قوم اعتقدوا بضع سنين في العلم القديم ما يعتقده سائر الضلال ، حتى هداهم اللّه بنوره فضلا منه وكرما لا استحقاقا منهم واستيجابا .